ابن الأثير
193
أسد الغابة ( دار الفكر )
وشهد بدرا ، وأحدا ، والمشاهد كلّها مع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم . وكانت الخزرج قد أجمعت على أن يتوجوا أباه عبد اللَّه بن أبىّ ويملّكوه أمرهم قبل الإسلام ، فلما جاء النبي صلى اللَّه عليه وسلم رجعوا عن ذلك ، فحسد النبيّ صلى اللَّه عليه وسلم ، وأخذته العزة ، فأضمر النفاق ، وهو الّذي قال في غزوة بنى المصطلق : لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ [ ( 1 ) ] فقال ابنه عبد اللَّه للنّبيّ صلى اللَّه عليه وسلم : هو واللَّه الذليل وأنت العزيز يا رسول اللَّه ، إن أذنت لي في قتله قتلته ، فو اللَّه لقد علمت الخزرج ما كان بها أحد أبر بوالده منى ، ولكني أخشى أن تأمر به رجلا مسلما فيقتله ، فلا تدعني نفسي انظر إلى قاتل أبى يمشى على الأرض حيا حتى أقتله ، فأقتل مؤمنا بكافر فأدخل النار . فقال النبي صلى اللَّه عليه وسلم : « بل نحسن صحبته ونترفق به ما صحبنا ، ولا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه ولكن برّ أباك وأحسن صحبته [ ( 2 ) ] » . فلما مات أبوه سأل ابنه عبد اللَّه النبيّ صلى اللَّه عليه وسلم ليصلي عليه . أخبرنا إسماعيل بن علي وغير واحد قالوا بإسنادهم إلى أبى عيسى الترمذي قال : حدثنا محمد ابن بشار ، حدثنا يحيى بن سعيد ، حدثنا عبيد اللَّه ، أخبرنا نافع ، عن ابن عمر قال : « جاء عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن أبىّ إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم حين مات أبوه ، فقال : أعطني قميصك أكفّنه فيه ، وصلّ عليه ، واستغفر له . فأعطاه قميصه وقال : إذا فرغتم فآذنوني . فلما أراد أن يصلى عليه جذبه عمر وقال : أليس قد نهى اللَّه عز وجل أن تصلى على المنافقين ؟ فقال : أنا بين خيرتين [ ( 3 ) ] : استغفر لهم أو لا تستغفر لهم . فصلى عليه فأنزل اللَّه تعالى : وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ [ ( 4 ) ] فترك الصلاة عليهم [ ( 5 ) ] » . قال ابن مندة : أصيب أنف عبد اللَّه بن عبد اللَّه يوم أحد ، فأمره النبي صلى اللَّه عليه وسلم أن يتخذ أنفا من ذهب . وقال أبو نعيم : روى عروة بن الزبير ، عن عائشة ، عن عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن أبىّ أنه قال : ندرت [ ( 6 ) ] ثنيّتى ، فأمرني رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم أن أتخذ ثنيّة من ذهب . وقال هذا هو المشهور . وقول المتأخر - يعنى ابن مندة - أصيب أنفه . وهم .
--> [ ( 1 ) ] المنافقون : 8 . [ ( 2 ) ] سيرة ابن هشام : 2 / 292 ، 293 . [ ( 3 ) ] في تحفة الأحوذي : « أنا بين الخيرتين » . والخيرتان : تثنية خيرة ، بوزن عنبة ، أي : أنا مخير بين الاستغفار وتركه . [ ( 4 ) ] التوبة : 84 . [ ( 5 ) ] تحفة الأحوذي ، تفسير سورة التوبة : 8 / 499 - 502 . [ ( 6 ) ] يعنى : سقطت .